في انتصار انتخابي حمل دلالات سياسية ورمزية، فاز الطبيب الأمريكي من أصل مصري عبد الرحمن «عبدول» السيد بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيجان، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس في تاريخ الولايات المتحدة. ويرى الكاتب عدنان حميدان أن السيد لم يتغلب على منافسه الجمهوري مايك روجرز فحسب، بل هزم أيضًا حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي استهدفته شخصيًا، وحوّلت اسمه وهويته الدينية إلى محور للهجوم الانتخابي.
وسلّط موقع «ميدل إيست مونيتور» في مقال رأي بقلم عدنان حميدان، الضوء على دلالات فوز السيد، الذي جاء بعد حملة انتخابية اتسمت بهجمات على خلفيته العربية والإسلامية، وإنفاق مالي ضخم من جماعات سياسية ومجموعات ضغط، مقابل حشد شعبي واسع وتحالف انتخابي ضم ناخبين من خلفيات دينية وعرقية مختلفة.
ترامب يحوّل اسم عبد الرحمن السيد إلى أداة للهجوم الانتخابي
لم ينظر دونالد ترامب إلى سباق مجلس الشيوخ في ميشيجان باعتباره مقعدًا واحدًا من بين مئة مقعد، بل حوّله إلى مواجهة شخصية مع عبد الرحمن «عبدول» السيد. فسخر من اسمه، وهاجم ديانته، وشكك في أسرته، قبل أن تعلن وكالة أسوشيتد برس، صباح الأربعاء، فوز الطبيب الأمريكي من أصل مصري بالسباق الانتخابي.
واستخدم ترامب مختلف الوسائل لمهاجمة السيد، فوصفه بأنه «متعاطف مع الإرهابيين» و«جهادي». وخلال تجمع انتخابي لدعم روجرز، زعم ترامب أن السيد سيضطر إلى المرور عبر جهاز كشف المعادن قبل دخول مجلس الشيوخ، بل شبّه وقف حملته الانتخابية بما فعله ركاب الرحلة 93 في هجمات 11 سبتمبر، عندما تصدوا للخاطفين.
وسار روجرز على النهج نفسه، محاولًا ربط منافسه بجماعة الإخوان المسلمين، واصفًا مواقفه بالمتطرفة، بل زعم أن السيد يرى أن الولايات المتحدة «استحقت» هجمات 11 سبتمبر، وهو ادعاء صنّفه موقع «FactCheck.org» بأنه كاذب.
وكان الهدف، بحسب المقال، واضحًا: تحويل اسم «عبد الرحمن» إلى تهمة، وإثارة مخاوف الناخبين من مرشح مسلم يحمل اسمًا عربيًا. لكن هذه الاستراتيجية لم تحقق هدفها.
في المقابل، لم يتراجع السيد أو يغيّر اسمه أو يعتذر عن هويته، بل ردّ بروح ساخرة وثقة. وقال خلال أحد التجمعات الانتخابية إن ترامب يبدو منزعجًا من اسمه الأول، لكنه لا يعترض عليه عندما تأتي الأموال من الخليج، مضيفًا: «يمكنه أن يواصل مناداتي بالسيناتور بعد نوفمبر».
وخلال ليلة الانتخابات، خاطب السيد ترامب مباشرة أمام أنصاره في مدينة ديترويت، عند الساعة الواحدة والنصف صباحًا، قائلًا: «أعلم أنك تجد صعوبة في نطق اسمي، لذا بعد أن يؤدي جيه دي اليمين الدستورية لي في يناير، يمكنك مناداتي بالسيناتور». وهكذا، حوّل المرشح الاسم الذي حاول خصومه استخدامه ضده إلى رد سياسي يحمل لقبًا جديدًا.
أموال ضخمة في مواجهة حشد شعبي وتحالف عابر للأديان
لم تكن المعركة الانتخابية سياسية فحسب، بل مثّلت أيضًا مواجهة بين الإنفاق المالي الضخم والحشد الشعبي. ففي الانتخابات التمهيدية، أنفقت لجنة العمل السياسي الكبرى التابعة للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «إيباك» نحو 32 مليون دولار لدعم عضوة الكونجرس هايلي ستيفنز في مواجهة السيد، فيما بلغ إجمالي الإنفاق الخارجي ضده نحو 70 مليون دولار.
وخلال الانتخابات العامة، أنفقت مجموعات جمهورية نحو 104 ملايين دولار، مقابل 55 مليون دولار أنفقتها مجموعات ديمقراطية، لتصبح الانتخابات الأغلى في تاريخ ولاية ميشيجان. كما شاركت مجموعات مدعومة من ترامب والملياردير إيلون ماسك في دعم روجرز.
وقبل يومين من التصويت، أعلنت ستيفنز دعمها لروجرز، في خطوة كان يُفترض أن تشكل ضربة لحملة السيد، لكنها تحولت إلى عامل حفّز أنصاره. وخلال يوم واحد، جمعت حملته 2.4 مليون دولار من أكثر من 65 ألف متبرع، مسجلة أفضل حصيلة يومية في تاريخها.
ويشير الكاتب إلى أن جوهر ما حدث في ميشيجان تمثل في مواجهة أموال ضخمة قادمة من دوائر النفوذ في مواجهة أعداد كبيرة من المواطنين، الذين نجحوا في حشد الدعم للمرشح. واستعاد المقال عبارة السيد خلال ليلة الانتخابات، التي أكد فيها أن الكثرة قادرة على الانتصار في مواجهة المال.
وبرز أيضًا موقف مجموعة «يهود ميشيجان من أجل الديمقراطية»، التي وقّع مئات من أعضائها رسالة تعهدوا فيها بالتصويت لصالح السيد، رغم محاولات خصومه تصويره باعتباره معاديًا لليهود بسبب انتقاداته لإسرائيل.
وأقر منظمو الرسالة بوجود خلافات حقيقية بين بعض الموقعين والسيد بشأن قضايا مهمة، من بينها جوانب من موقفه تجاه إسرائيل، لكنهم اتفقوا على ضرورة منع روجرز وترامب من الفوز. واعتبر المقال أن هذا الموقف عكس قدرة المسلمين واليهود والمسيحيين وغيرهم على الاصطفاف معًا حول فكرة رفض إخضاع المجتمع للخوف من الأسماء والهويات الدينية.
كما لعبت مدينة ديربورن، ذات الأغلبية العربية، دورًا بارزًا في الانتخابات، إذ نفدت أوراق الاقتراع في المدينة يوم التصويت نتيجة الإقبال الكبير. وعاد الناخبون العرب والمسلمون، الذين عاقبوا الحزب الديمقراطي في انتخابات 2024 بسبب موقفه من الإبادة الجماعية في غزة، إلى صناديق الاقتراع بقوة هذه المرة، دعمًا لمرشح يعكس هويتهم ويتبنى مواقف قريبة من مواقفهم.
فلسطين في قلب المعركة.. وفوز يحمل دلالات تتجاوز ميشيجان
لم يُخفِ السيد مواقفه بشأن فلسطين خلال حملته الانتخابية، إذ انتقد الحكومة الإسرائيلية علنًا، وهاجم «إيباك» بالاسم، وربط بين أموال جماعات الضغط والتصويت على تحويل مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين إلى حكومة أجنبية.
ويرى الكاتب أن هذه المواقف جعلت السيد هدفًا لخصومه، الذين سعوا إلى إسقاطه بأي ثمن، لكن القضية التي اعتقدوا أنها تمثل نقطة ضعفه تحولت إلى أحد مصادر قوته. ويعكس ذلك، بحسب المقال، ظهور جيل جديد من الناخبين الأمريكيين لم يعد يتعامل مع إسرائيل باعتبارها خطًا أحمر لا يجوز تجاوزه، ولم يعد يرى انتقاد سياساتها جريمة سياسية.
وانتهت ليلة الانتخابات بخسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونجرس، بعدما فاز الديمقراطيون بمقعدي الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، لكن فوز السيد حمل أهمية رمزية خاصة، لأنه لم يهزم منافسًا تقليديًا فحسب، بل واجه حملة شارك الرئيس الأمريكي نفسه في قيادتها، وساندتها أموال «إيباك» ومليارديرات.
ويخلص حميدان إلى أن فوز السيد يحمل رسالة للعرب والمسلمين في بريطانيا ومختلف أنحاء العالم، مفادها أن إخفاء الهوية لم يكن شرطًا لتحقيق النجاح، وأنه لم يتخلَّ عن مواقفه بشأن فلسطين لكسب الأصوات، بل عبّر عنها بوضوح، مستندًا إلى مجتمع منظم خرج للتصويت، وتحالف واسع تجاوز الانقسامات الدينية والعرقية.
ويختتم الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن ترامب حاول تحويل اسم عبد الرحمن إلى تهمة، لكنه بات مضطرًا إلى مناداته بلقب واحد: «السيناتور»، مهنئًا السيد وكل من يؤمن بأن الكرامة لا تُشترى، وأن الأسماء ليست جرائم.
https://www.middleeastmonitor.com/20261104-abdul-el-sayed-trump-can-just-call-me-senator-now/

